بسم الله الرحمن الرحيم
من غزّة ينبتُ الأبطالُ..قصّة ..
فتحَ أيوبٌ عينيهِ ببطءٍ شديدٍ, ليرى أنّ العتمةَ لا زالت تخيّمُ على المكانِ,لكنَّ صوتَ مؤذّنِ المسجدِ القريبِ كانَ يصلهُ, مُذكِّراًُ -كعادتهِ يوميَاً- قبلَ أذانِ الفجرِ ليستعدّ الناسُ للصلاةِ
أرجو أنْ لا أتأخَّرَ ؛ قالَ أيوبٌ محدّثاً نفسهُ وهوَ يجلسُ على فراشهِ البسيطِ,ثمّ قامَ بتردادِ دعاءِ الاستيقاظِ: ( الحمدُ للهِ الذي أحيانا بعدَ ما أماتنا وإليهِ النشورُ ,أصبحنا وأصبحَ الملكُ لله),قالَهُ وهو يفركُ وجههُ الصغيرَ بيديهِ ليلمحَ- كالعادةِ -إخوتَهُ وقدْ تناثروا كُلّهمْ وهم نيامٌ على الفُرُش التي وضعتها أمّهُ لهمْ ليلاٌ كما تفعلُ كُلّ ليلةٍ .
قامَ من فراشَه وهو يحاذِرُ ألا يرتطمَ بأحد إخوتهِ الذين ملأوا الغرفةَ ووضع فراشهُ؛ الذي قامَ بطيِّهِ وترتيبهِ في خفّةٍ في مكانهِ المعتادِ ثم انطلق, ليتوضأَ ويستعدّ للخروجِ.
وما أنِ انتهى-بسرعةٍ من الوضوءِ وخرجَ - حتى لاحظ َ وجودَ أمِّهِ في الغرفةِ المجاورةِ وهي بملابسِ الصلاةِ تدعو ,وتدعو
اقتربَ منها على مهلٍ وهو يزررُ قميصَهُ الصيفيَّ: أسعدَ اللهُ صباحكِ يا أمي, هل دعوتِ لي؟؟
فالتفتت أمّه إليه وهي لازالتْ تدعو وابتسمتْ لهُ تلكَ الابتسامةَ الحانيةَ , وقالتُ: أسألُ اللهَ أن يوفقكَ يا ولدي , وأنْ يحميكَ.
كيفَ أصبحتَ يا أيوبِ؟؟سألتهُ وهي تلمحُ آثارَ التعبِ الباديةِ على وجههِ الذي ازدادَ سمرةً عنْ ذي ما قبلٍ.
فقالَ وهوَ يقبِّلُ يديها : الحمدُ للهِ يا أمي,لقد كانَ البارحةَ يوماً شاقاً ,وكلُّ عظامي تؤلمني؛ لكنهُ ألمٌ عادي يحتملهُ الرجالُ مثلي
,أليس كذلك؟؟ قالَ وهوَ يعلمُ مقدارَ قلقِ أمّه عليهِ؛ خاصةً منذُ أنْ عمِل بورشةِ الحدادة, ليساعدَ والدهُ في بعضِ المصاريفِ التي أصبحَ من المستحيلِ على والدهِ تأمينَها لهمْ وقدْ تجاوزَ عددُ الأُسرةِ الثمانيةَ أشخاصٍ بالإضافةِ لجدتهِ العجوزِ.
نظرتْ أمّهُ إليه بإعجابٍ لقوةِ تحملهِ ,وبإشفاقٍ كادتْ دمعةٌ حانيةٌ أنْ تتسلل من عينيها لتفضحها ,فضمّتهُ إلى صدرها وهي تقولُ لهُ: باركً اللهُ فيكَ يا ولدي, وأعانك أنت وأبناءُ جيلكَ على الأيامِ القادمةِ
فقالَ لها أيوبُ (محاولاً أن يغيّرَ الموضوعَ) : أخشى أن أتأخرَ يا أمي,إذْ سأذهبُ الآنَ لصلاةِ الفجر ,لقدِ اتفقتُ وأيمنَ على التلاقي لنذهبَ سويةً بعدَ الصلاةِ لتسميعِ ما حفظناهُ البارحةَ من الآياتِ للإمام.
فقالت له أمه: كيف أيمنُ ؟هل تحسّنتْ نفسيتهُ عن ذي قبلُ؟؟
فقال وهو يتّجهُ للخارجِ: الحمدُ لله ,لا تخافي عليه طالما أنا معهُ(أضاف وهو يبتسمُ) ثمّ أضافَ:ادعي لنا وجهزي لنا-من فضلكِ- طعاماً يكفينا نحنُ الاثنينِ اليومَ, فلربَما لا أتمكنُ منَ العودةِ وقتَ الغداءِ!!
فقالت له: فتحَ اللهُ عليكَما يا ولدي, وباركَ لي فيكَ.
وهكذا,انطلقَ أيوبٌ ذو الثلاثةِ عشرَ ربيعاً في عتمةِ الفجرِ ليلقى أيمنَ -ابنً عمهِ-واقفاً ينتظرهُ خارجَ المسجدِ والأذانُ يتعالى في السماءِِ:( حيّ على الصلاةِ ,حيّ على الفلاحِ)
فقال أيوبُ: هل تأخرتُ عليكَ؟ لكنَّ أيمنَ الهادئَ ابتسمَ بطمأنينةٍ وهوَ يقولُ: لا عليكَ ,لم ينتهِ الأذانُ بعدُ..
ثم خلعا أحذيتهُما ليدخلا للمسجدِ الصغيرِ الواقعِ في آخرِ الحيّ, وهما يتهامسان ويتناجيانِ عمّا سيفعلانهِ اليومَ.
الحقيقةُ أنّي لم أحدثكم عن أيوبَ كما ينبغي,فأيوبٌ ولدٌ ذكيٌ جداً ,وهو مجتهدٌ-من استيقاظهِ المبكّرِ- كما لاحظتم,
وإنْ كانتِ المفاجأةُ التي خبّأتُها عنكُم أنّ أيوباً يسكنُ غزةَ
هل تعرفونَ غزّة؟؟ نعم أدركُ أنكمْ تعرفونَها ,فلا بدَّ أنكمْ سمعتمْ عنها الكثيرَ والكثيرَ!!.
أمّا أيوبُ فهو الذي يعرفُها حقَّ المعرفةِ ,وهوَ الذي يقولُ عن نفسهِ دائماً : أنا من غزّةِ هاشمٍ, أنا من غزّةَ الشافعيِ
ّ
وحقيقةُ الأمرِ أن معلّمَ أيوباً قد حدَّثهم عن تاريخِ غزّة مرةً, وقال لهم أنَّ غزةَ تفخرُ أنّ جدَّ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلّمَ (هاشماً)مدفونٌ فيها , كما أنّ أبا الشافعيّ وهو أحدُ علماءِ المسلمينَ مدفونٌ فيها أيضاً.
وغزّةُ التي يسميها الناسُ غزّةَ هاشمٍ جزءٌ عزيزٌ علينا منْ فلسطينَ. أتعرفون فلسطينَ؟؟ نعم أحسنتم؛ إنها البلدُ الإسلاميُ الحبيبُ الذي احتلهُ الصهاينةُ منذُ ما يزيدُ على الستينَ عاماً.
ولقدْ قاموا باحتلال فلسطينَ الأرضِ المقدّسةِ-أرضِ الأنبياءِ -بالتقسيطِ- مستغلينَ سوءَ الأوضاعِ والجهلِ والتفرّق ,فاحتلوا أولاً مناطقَ الساحلِ ومدنهُ وفصلوها عنْ مدنِ فلسطينَ كُلَّها في العامِ ألفٍ وتُسعُمائةٍ وثمانٍ وأربعينَ, وقامَ أكثرُ أهلُ هذه المدنِ والقرى بالهروبِ خشيةَ المجازرِ التي كانت عصاباتٌ صهيونيةٌ متخصصةٌ بالقتلِ والتدميرِ تقوم بها في كلَِّ بيتٍ وشارعٍ تدخلهُ ,معززينَ بالأسلحةِ المتطورةِ في ذلكَ الوقتِ مقارنةً بأهلِ فلسطينَ الذين لم يكنْ لديهم إلاّ ذخيرةً قليلةً لمْ تُفلِحْ في دِفعِ وردعِ العدوانِ الصهيونيّ!!
كما أنّ الدولَ الغربيةَ ومنْ أهمِّها بريطانيا؛ قدّمتْ فلسطينَ لليهودِ على طبقٍ من ذهب -إذ أنها كانت تحتلُّ فلسطين قبلَ ذلكَ لكنها اتفقتْ معَ اليهودِ على إعطائِهم فلسطينَ في اتفاقياتٍ عديدةٍ لا شكّ أنكم سمعتم بها مثلَ معاهدةَ بلفورٍ وسايكس بيكو.
ثمّ وفي العامِ ألفٍ وتُسعمائةٍ وسبعٍ وستينَ قامَ اليهودُ باحتلالِ كافةِ مناطقِ فلسطينَ وقسّموها إلى ثلاثِ مناطقٍ ؛هي مناطقُ الثمانِ وأربعينَ, ومنطقةُ الضفّةِ الغربيةِ , و قطاعُ غزّةَ. وفصلوها عن بعضها بحيثُ أصبح من الصعبِ على أهلها زيارةُ بعضهم بعضا .
والآنَ أنتمْ ولا شكَّ تدركونَ لماذا اهتممتُ بقصّةِ أيوبٍ,هذا الصبيُّ النشيطُ الذي يعيشُ في غزّة.
أيوبٌ وُلِدَ في غزةَ, رغمَ أنَ والدَهُ قالَ لهُ أنهُم ليسوا من غزةَ أصلاً ,فهمْ منْ إحدى القرى الجميلةِ المحيطةِ بيافا ,وقد نزحَ جدهُ وجدّتهُ التي كانت تحملُ والدهُ جنيناً في أحشائها إلى غزّةَ مع الكثيرينَ,وكانوا يظنونَ أنهم سيعودونَ في اليومِ التالي إلى قريتهم وبياراتهمِ المليئةُ بالبرتقالِ والليمونِ,لكنّ حلمَ جدّه لم
المزيد