من غزّة ينبتُ الأبطالُ..قصّة للأطفال ..

كتبهامها الجيلاني(أم معاذ) ، في 15 حزيران 2009 الساعة: 10:29 ص

بسم الله الرحمن الرحيم

 

من غزّة ينبتُ الأبطالُ..قصّة ..

 

 

فتحَ أيوبٌ عينيهِ ببطءٍ شديدٍ, ليرى أنّ العتمةَ لا زالت تخيّمُ على المكانِ,لكنَّ صوتَ مؤذّنِ المسجدِ القريبِ كانَ يصلهُ, مُذكِّراًُ -كعادتهِ يوميَاً- قبلَ أذانِ الفجرِ ليستعدّ الناسُ للصلاةِ

أرجو أنْ لا أتأخَّرَ ؛ قالَ أيوبٌ محدّثاً نفسهُ وهوَ يجلسُ على فراشهِ البسيطِ,ثمّ قامَ بتردادِ دعاءِ الاستيقاظِ: ( الحمدُ للهِ الذي أحيانا بعدَ ما أماتنا وإليهِ النشورُ ,أصبحنا وأصبحَ الملكُ لله),قالَهُ وهو يفركُ وجههُ الصغيرَ بيديهِ ليلمحَ- كالعادةِ -إخوتَهُ وقدْ تناثروا كُلّهمْ وهم نيامٌ على الفُرُش التي وضعتها أمّهُ لهمْ ليلاٌ كما تفعلُ كُلّ ليلةٍ .

 

قامَ من فراشَه وهو يحاذِرُ ألا يرتطمَ بأحد إخوتهِ الذين ملأوا الغرفةَ ووضع فراشهُ؛ الذي قامَ بطيِّهِ وترتيبهِ في خفّةٍ في مكانهِ المعتادِ ثم انطلق, ليتوضأَ ويستعدّ للخروجِ.

وما أنِ انتهى-بسرعةٍ من الوضوءِ وخرجَ - حتى لاحظ َ وجودَ أمِّهِ في الغرفةِ المجاورةِ وهي بملابسِ الصلاةِ تدعو ,وتدعو

اقتربَ منها على مهلٍ وهو يزررُ قميصَهُ الصيفيَّ: أسعدَ اللهُ صباحكِ يا أمي, هل دعوتِ لي؟؟

فالتفتت أمّه إليه وهي لازالتْ تدعو وابتسمتْ لهُ تلكَ الابتسامةَ الحانيةَ , وقالتُ: أسألُ اللهَ أن يوفقكَ يا ولدي , وأنْ يحميكَ.

كيفَ أصبحتَ يا أيوبِ؟؟سألتهُ وهي تلمحُ آثارَ التعبِ الباديةِ على وجههِ الذي ازدادَ سمرةً عنْ ذي ما قبلٍ.

فقالَ وهوَ يقبِّلُ يديها : الحمدُ للهِ يا أمي,لقد كانَ البارحةَ يوماً شاقاً ,وكلُّ عظامي تؤلمني؛ لكنهُ ألمٌ عادي يحتملهُ الرجالُ مثلي

,أليس كذلك؟؟ قالَ وهوَ يعلمُ مقدارَ قلقِ أمّه عليهِ؛ خاصةً منذُ أنْ عمِل بورشةِ الحدادة, ليساعدَ والدهُ في بعضِ المصاريفِ التي أصبحَ من المستحيلِ على والدهِ تأمينَها لهمْ وقدْ تجاوزَ عددُ الأُسرةِ الثمانيةَ أشخاصٍ بالإضافةِ لجدتهِ العجوزِ.

نظرتْ أمّهُ إليه بإعجابٍ لقوةِ تحملهِ ,وبإشفاقٍ كادتْ دمعةٌ حانيةٌ أنْ تتسلل من عينيها لتفضحها ,فضمّتهُ إلى صدرها وهي تقولُ لهُ: باركً اللهُ فيكَ يا ولدي, وأعانك أنت وأبناءُ جيلكَ على الأيامِ القادمةِ

فقالَ لها أيوبُ (محاولاً أن يغيّرَ الموضوعَ) : أخشى أن أتأخرَ يا أمي,إذْ سأذهبُ الآنَ لصلاةِ الفجر ,لقدِ اتفقتُ وأيمنَ على التلاقي لنذهبَ سويةً بعدَ الصلاةِ لتسميعِ ما حفظناهُ البارحةَ من الآياتِ للإمام.

 

فقالت له أمه: كيف أيمنُ ؟هل تحسّنتْ نفسيتهُ عن ذي قبلُ؟؟

 

فقال وهو يتّجهُ للخارجِ: الحمدُ لله ,لا تخافي عليه طالما أنا معهُ(أضاف وهو يبتسمُ) ثمّ أضافَ:ادعي لنا وجهزي لنا-من فضلكِ-  طعاماً يكفينا نحنُ الاثنينِ اليومَ, فلربَما لا أتمكنُ منَ العودةِ وقتَ الغداءِ!!

فقالت له: فتحَ اللهُ عليكَما يا ولدي, وباركَ  لي فيكَ.

 

وهكذا,انطلقَ أيوبٌ ذو الثلاثةِ عشرَ ربيعاً في عتمةِ الفجرِ ليلقى أيمنَ -ابنً عمهِ-واقفاً ينتظرهُ خارجَ المسجدِ والأذانُ يتعالى في السماءِِ:( حيّ على الصلاةِ ,حيّ على الفلاحِ)

فقال أيوبُ: هل تأخرتُ عليكَ؟ لكنَّ أيمنَ الهادئَ ابتسمَ بطمأنينةٍ وهوَ يقولُ: لا عليكَ ,لم ينتهِ الأذانُ بعدُ..

 

ثم خلعا أحذيتهُما ليدخلا للمسجدِ الصغيرِ الواقعِ في آخرِ الحيّ, وهما يتهامسان ويتناجيانِ عمّا سيفعلانهِ اليومَ.

 

الحقيقةُ أنّي لم أحدثكم عن أيوبَ كما ينبغي,فأيوبٌ ولدٌ ذكيٌ جداً ,وهو مجتهدٌ-من استيقاظهِ المبكّرِ- كما لاحظتم,

 

وإنْ كانتِ المفاجأةُ التي خبّأتُها عنكُم أنّ أيوباً يسكنُ غزةَ

 

هل تعرفونَ غزّة؟؟ نعم أدركُ أنكمْ تعرفونَها ,فلا بدَّ أنكمْ سمعتمْ عنها الكثيرَ والكثيرَ!!.

 

أمّا أيوبُ فهو الذي يعرفُها حقَّ المعرفةِ ,وهوَ الذي يقولُ عن نفسهِ دائماً : أنا من غزّةِ هاشمٍ, أنا من غزّةَ الشافعيِ

ّ

وحقيقةُ الأمرِ أن معلّمَ أيوباً قد حدَّثهم عن تاريخِ غزّة مرةً, وقال لهم أنَّ غزةَ تفخرُ أنّ جدَّ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلّمَ (هاشماً)مدفونٌ فيها , كما أنّ أبا الشافعيّ وهو أحدُ علماءِ المسلمينَ مدفونٌ فيها أيضاً.

وغزّةُ التي يسميها الناسُ غزّةَ هاشمٍ جزءٌ عزيزٌ علينا منْ فلسطينَ. أتعرفون فلسطينَ؟؟ نعم أحسنتم؛ إنها البلدُ الإسلاميُ الحبيبُ الذي احتلهُ الصهاينةُ منذُ ما يزيدُ على الستينَ عاماً.

 

ولقدْ قاموا باحتلال فلسطينَ الأرضِ المقدّسةِ-أرضِ الأنبياءِ -بالتقسيطِ- مستغلينَ سوءَ الأوضاعِ والجهلِ والتفرّق ,فاحتلوا أولاً مناطقَ الساحلِ ومدنهُ وفصلوها عنْ مدنِ فلسطينَ كُلَّها في العامِ ألفٍ وتُسعُمائةٍ وثمانٍ وأربعينَ, وقامَ أكثرُ أهلُ هذه المدنِ والقرى بالهروبِ خشيةَ المجازرِ التي كانت عصاباتٌ صهيونيةٌ متخصصةٌ بالقتلِ والتدميرِ تقوم بها في كلَِّ بيتٍ وشارعٍ تدخلهُ ,معززينَ بالأسلحةِ المتطورةِ في ذلكَ الوقتِ مقارنةً بأهلِ فلسطينَ الذين لم يكنْ لديهم إلاّ ذخيرةً قليلةً لمْ تُفلِحْ في دِفعِ وردعِ العدوانِ الصهيونيّ!!

كما أنّ الدولَ الغربيةَ ومنْ أهمِّها بريطانيا؛ قدّمتْ فلسطينَ لليهودِ على طبقٍ من ذهب -إذ أنها كانت تحتلُّ فلسطين قبلَ ذلكَ لكنها اتفقتْ معَ اليهودِ على إعطائِهم فلسطينَ في اتفاقياتٍ عديدةٍ لا شكّ أنكم سمعتم بها مثلَ معاهدةَ بلفورٍ وسايكس بيكو.

 

ثمّ وفي العامِ ألفٍ وتُسعمائةٍ وسبعٍ وستينَ قامَ اليهودُ باحتلالِ كافةِ مناطقِ فلسطينَ وقسّموها إلى ثلاثِ مناطقٍ ؛هي مناطقُ الثمانِ وأربعينَ, ومنطقةُ الضفّةِ الغربيةِ , و قطاعُ غزّةَ. وفصلوها عن بعضها بحيثُ أصبح من الصعبِ على أهلها زيارةُ بعضهم بعضا .

 

والآنَ أنتمْ ولا شكَّ تدركونَ لماذا اهتممتُ بقصّةِ أيوبٍ,هذا الصبيُّ النشيطُ الذي يعيشُ في غزّة.

 

 أيوبٌ وُلِدَ في غزةَ, رغمَ أنَ والدَهُ قالَ لهُ أنهُم ليسوا من غزةَ أصلاً ,فهمْ منْ إحدى القرى الجميلةِ المحيطةِ بيافا ,وقد نزحَ جدهُ وجدّتهُ التي كانت تحملُ والدهُ جنيناً في أحشائها إلى غزّةَ مع الكثيرينَ,وكانوا يظنونَ أنهم سيعودونَ في اليومِ التالي إلى قريتهم وبياراتهمِ المليئةُ بالبرتقالِ والليمونِ,لكنّ حلمَ جدّه لم يتحقق أبداً في العودةِ ,بل لقد دُفنَ جدّهُ في غزّةَ وهو الذي كانَ يحلمُ أن يكونَ قبرهُ تحتَ إحدى أشجارِ البرتقالِ في مزرعتهِ البعيدةِ.

 

ولنعدِ الآن إلى أيوبَ,هذا الفتى الذي لوحتهُ الشمسُ فغدا حنطيََّ البشرةِ, شعرهُ بنيٌ كثيفٌ وعيناهُ واسعتانِ عسليتان صافيتان تعلو وجههُ نظرةٌ جادّة تسبِقُ عمرهُ وتجعلهُ أشبهَ بالرجالِ.

لمْ يكنْ أيوبُ الأكبرَ بين إخوتهِ ,بل لقدْ كانَ  ترتيبهُ الرابعُ بينهمْ؛ أكبرهمْ أخوهُ حسنٌ الذي تخرّجَ من الجامعةِ حديثاً,وأسماءٌ التي تزوجت قبل عامينِ, ثمّ معاذٌ ثمّ هوَ يتلوهما من الإخوةِ والأخواتِ, أربعٌ أيضا..

ولقد كانَ عملُ والدهِ جيداً في الأعوام الماضيةِ لكنهم ومنذُ أن فُرضَ الحصارُ على قطاعِ غزّةَ, وهم يعانونَ بشدةٍ حيث لم يعدْ بمقدورُ والدهِ الذهابَ للعملِ في مناطقِ الضفةِ أو لدى اليهودِ كبنّاءٍ.فاضطر للعمل بأي مهنةٍ يجدها في القطاع فكان يعملُ أياما ويقعدَ أياماً ولربما بحثَ طوبلا عن عملٍ دون أن يجدَ أيّ شيءٍ ,فيعودَ للبيتِ مهموماً حزيناً..

 

واضطرتِ العائلةُ إلى أنْ تتأقلمَ مع الوضعِ الجديدِ فأصبحَ كلُُّ الصبيةِ يعملون للمساهمةِ في مصروف البيتِ, وهذا كانَ حالُ كل من يعرفونَ ممن حولهم,بل إِنَّ هذا كانَ حالُ أغلبَ أهلِ قطاعِ غزّة.

 

أمّا أيمنُ -ابنُ عمّ أيوبٍ الذي يسمّعُ هو وإياهُ الآن في المسجدِ للإمام- فلقدْ توفيَ والدهُ قبلَ أشهرٍ قليلةٍ!!

ووالدهُ أصغرُ من والدِ أيوبٍ لكنّهَ مرضَ فجأةً بالكلى, وتدهورت حالتُهُ وهو ينتظرُ  السماحَ لهُ بالخروجِ من غزةَ للعلاجِ في الخارجِ لكنَََّ الحصارَ المفروضَ على غزّةَ منعهُ من ذلكُ, فتوفيُ تاركاً أبناءهُ في صدمةٍ وحزنٍ….

لذا فقدْ عملَ والدُ أيوبٍ ووالدتَهُ على التخفيفُ عن عائلةِ أيمنَ ما استطاعوا,بل إنّ العائلةِ أصبحتْ تقتصدُ في مصاريفها كثيراً كي تسُدَّ عن أُسرةِ أيمنَ أيّ نقصٍ تحتاجُهُ ؛ فكانوا قبل أنْ يأكلوا منْ أيَِّ وجبةٍ يتأكدونَ منْ أنّ عائلةَ أيمنٍ لديها مثلُهُ أو أفضلُ.

وساهم أيوبٌ في ذلكَ فتولّى أمرَ أيمنَ؛ يصحبُهُ إلى المسجدِ ,وحتى في ورشةِ الحدادةِ كانَ هوَ من وجدَ لهما هذهِ الوظيفةِ في فترةٍ لم يكنِ الكثيرونَ قادرين على أنْ يجدوا أيّ عملٍ , والحقيقةُ أنّهما (أيوبَ وأيمنَ) رضيا بالأجرِ القليلِ الذي منحهما إياهُ ربُّ العملِ رغمَ أنهما كانا يعملانِ منذُ مطلعِ الشمسِ إلى مغيبها كأيِّ رجلين راشدين , لا كفتيين في الثالثةِ عشرَ أو يزيد.

وهكذا كانَ حالهما يومياً يعملانِ إلى صلاة المغربِ ثمّ يتوجهانِ للمسجدِ حتى صلاةِ العشاء, يحفظان ما تيسّر من الآياتِ مع الأمام الذي أُعجِبَ بحرصهما على كتابِ اللهِ رغمَ ظروفهما الصعبةِ فخصص لهما وقتاً خاصاً بعد الفجرِ للتسميعِ.

أمّا  هذا اليومُ فقد جلسا(أيوبَ وأيمنَ) يسمّعانِ للأمام ,أما أيمنُ فقد سمّعَ ما عليهِ دون أخطاءٍ تُذكرُ ,لكنّ أيوبَ كانَ قلقاً سارحاً وقدْ لحظَ الإمامُ عليهِ ذلكَ رغمَ أنّهُ حاولَ أن يتظاهرَ بالعكسِ.

 فقالَ له الإمام: ما بالُكَ يا أيوب؟؟ أراكَ على غيرِ عادتك من الانتباهِ والحفظ؟؟هل هناكَ شيءٌ يقلقكَ يا بنيّ؟

فاتجهت أنظارُ أيوبٍ للأسفلِ وهو لا يدري بمَ يجيب .فقالَ أيمنُ الذي خمّنَ سببَ قلقِ ابنِ عمّهِ وصديقهِ:لا بدّ أنهُ قلقٌ على أخيهِ حسنٌ يا إمام , فهو لم يعد للبيت منذ أسبوعٍ, وأنتَ تعلمُ( ياإمام) أنّ اليهودَ باتوا يستهدفونَ كلّ المجاهدينَ في سبيلِ اللهِ.

هنا نزلت دمعةٌ على خدِّ أيوب فقال: اليوم شاهدتُ أمي تدعو للمجاهدين بالصبر والثباتِ وأن يرزقهمُ الله الشهادةَ,ثمّ لاحظتُ في مسيري أنَّ هناكَ طيراناً استطلاعياً في الأجواءِ فخشيتُ على حسن.

ابتسم الإمامُ لأيوبٍ ابتسامةً أبويةً حانيةً ,وقالَ لهُ: لا تخشَ يا أيوبَ على أخيكَ أبداً؛ فحسنٌ رجلٌ مثلكَ, وهو مجاهدٌ في سبيل الله فإن سلمَ فرحنا له ,وإن نالَ الشهادةَ فرحنا لهُ,-ثمّ أضافَ : ألا تعلمُ أنَّهُ يتمناها يا أيوبَ؟؟

فقال أيوبُ وعيناهُ تلمعانِ: بل وأتمناها قبلهُ يا إمام, لكني أريد ان أكبر أكثر وأدرس مثلهُ فأساعدَ أهلي وأساهمَ في تحرير كلِّ فلسطين من العدوِّ الغاصبِ.

ضحكَ الإمامُ  فرحاً من عزيمةِ أيوبٍ التي أبداها, ودعا له أن ينالَ ما يتمنّاه.

 ثم انصرفَ أيوبٌ وأيمنُ للعملِ في ورشة الحدادةِ ,وانقضى اليومُ بسرعةٍ حتى أذّنَ الظهرُ وهما مشغولانِ بالعملِ وكادا أن ينسيا ما جرى  بينهما صباحاً من حديثٍ

إلا أنّ الطائراتِ الاستطلاعيةِ الصهيونية حلّقت في البعيد ,فوقفَ أيوبٌ في الشارعِ والشمسُُ ترسلُ أشعتها الحارقةَ فوق رأسهِ  غيرَ مبالٍ بها , متتبعاً صوتَها وهي تحلّق تماماً مثل ما تفعلُ حين تريدُ أن تقومَ بعملية اغتيالٍ إجراميّةٍ لأحدِ المجاهدينَ.

 

ثم اختفتِ الطائراتُ فجأةً كما ظهرتْ فجأةً فتغيّرَ وجهُ أيوبٍ وهرعَ إلى صاحبِ الورشةِ(أبا مجاهدٍ) ورجاه أن يأذنَ له في الانصرافِ فأذنَ لهُ الرجلُ وهوَ يعلمُ أنّ أيوباً ليسَ من الفتيانِ الذين يتهربونَ منَ أعمالهم. بل لا بُدَّ أنّ هناكَ أمراً طارئاً وإلا لما طلبَ المغادرةَ,ولما رآهُ أيمنُ يفعلُ ذلكَ رجا هو الآخرُ صاحبَ العملِ أن يرافقَ أيوبَ- الذي انطلقَ لا يلوي على شئٍ- فأذِنَ له الرجلُ أيضا رغم حاجتهِ الشديدةِ لأحدٍ يعاونهُ ذلكَ اليوم.

 

ركضَ أيوبٌ مسرعاً نحوَ مكانٍ لمْ يتمكّن أيمنُ من معرفتهِ في البداية, فلا أحدٌ من أقاربهمْ أو معارفِهمْ كانَ يسكنُ في تلكَ المنطقةِ التي توجّهَ إليها أيوبُ. وفيما الاثنانِ يركضانِ ,إذ أقبلتْ طائرةٌ للعدوَّ الصهيوني بسرعةِ البرقِ نحو عمارةٍ مهدّمةٍ منْ آثارِ أحدِ العدواناتِ الصهيونيّةِ الأخيرةِ ,رحلَ عنها سُكّانُها وغدتْ خراباً, وإذْ بصاروخٍ ينطلقُ من تلكَ الطائرة نحوَ تلكَ العمارةِ التي أسرعَ أيوبُ  باتجاهها ,فأدركَ أيمنٌ على الفورِ أنّ أيوباً كانَ يعلمُ مخبأََ حسنٍ؛ رغمَ أنّهُ لم يخبرهُ أبداً بذلك,فكّر أيمنُ؛ لا بدّ أنّ أيوباً كانَ يتبعُ حسناً حتى اهتدى لمخبئهِ ,ولقد تأكّد الآن من صدقِ مخاوفِ أيوبٍ التي أطلعهُ عليها فجرَ هذا اليومِ.

ندّتْ صرخةٌ هائلةٌ عنْ أيوبٍ وهوَ يشهدُ المبنى ينهارُ على منْ فيهِ, والغبارُ والنيرانُ يتصاعدانِ ,لكنّ الطائرةَ ظلّتْ تحلّقُ وظهرَ من بينَ الغبارِ بضعُ رجالٍ يركضون بعيداً عنهُا تعلوهمُ الأتربةُ يحملونَ المصابينَ منهم.

أسرعَ أيوبٌ نحوَ الرجالِ لكنّ الطائرةَ التي ظلّت في المكان لم تمكّنه من الاقترابِ منهم, فقد كان العدوُّ مصمماً على اغتيالِ المجاهدين وفي ثوانٍ انبطحَ الرجالُ على الأرض وتعالى صوتُ إطلاقِ النار في المكانِ فاختبأ أيوبٌ وأيمنُ يعلوهما الغبار خلفَ كومةٍ من الصخورِ وهم يلمحون معركةً عجيبةً تدورُ بينَ المجاهدينَ المصابينَ من جهةٍ - و المظليين من العدوِّ  الذين أنزلتهمُ الطائرةُ - واستمرّتِ  المعركةُ طويلاً حتى نفدت الذخيرةُ من المقاومين .فسقطوا شهيداً إثرَ الآخر وسقطَ أخو أيوبٍ معهمْ ,لكنّهم نجحوا في قتلِ العديد من جنودِ العدوِّ الذين ارتفع صوت صراخهم وعويلِهمْ عالياً, بل وحاولَ بعضُهم ممنْ ظلَّ حياً الهرب نحو الطائرة التي اقتربت من المكانِ وغبارٌ كثيف يتطايرُ فوقَ الرؤوسِ, فانطلقَ أيوبٌ- غيرَ آبهٍ بالرصاصِ -نحوَ الجنديِّ الذي رآهُ يقتلُ أخاهُ منذُ قليلٍ , وهجمَ عليه وأخذَ يلكمهُ والجنديُّ آخذٌ بالصراخ والعويلِ من هذا الفتى الذي طلعَ عليهِ  فجأةً من حيثُ لا يدري.

 ثم تناولَ أيوبٌ مسدسَ  الجنديَّ في سرعةٍ وأطلق عليهِ النارَ ثائراً لدماءِ أخيهِ التي سالتْ زكيةً وأسرعَ إليهِ أيمنُ يجذبهُ بعيداً فالعدوُ الذي بوغت بفتى صغير يقتلُ جنديا لم يتمكن من الردّ  والتصرف بسرعةٍ و قتلَ الفتى.

 

 وانطلقتِ الطائرةُ تحملُ قتلاها وجرحاها والكثيرِ من خيبةِ الأملِ والحنقِ..

 

فيما تصدرت عناوينُ صحفِ العدوِّ في اليومِ التالي هذا الخبرُ :

 

 "عمليةٌ للقضاء على مخربين فلسطينيين ,تبوء بالفشلِ الكبيرِ وتسفِرُ عن مقتلِ أغلبِ أعضاءِ الفرقةِ المكلفةِ بذلك ومقتلُ الضابطِ المسؤولِ عن العملية على يد صبيٍّ ظهرَ فجأةً واختفى فجأةً!!"

 

النّهاية

 

دعواتكم

 

مها ياسين الجيلاني 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “من غزّة ينبتُ الأبطالُ..قصّة للأطفال ..”

  1. اللهم انصر المجاهدين فى كل مكان ومكن للاسلام واعز المسلمين واعد الاقصى الاسير

    الاخت /أم معاذ

    بارك الله فيكم ووفقكم

  2. حيّاكم الله أخي جابر حسن

    نسأل الله للمجاهدين النصر وللشهداء القبول

    ولنا أن نفوز بإحدى الحسنيين

    اللهم آمين

    بوركتــــــــــــــم

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

  3. هؤلاء هم رجال غزة
    بسالة وبطولة وصبر
    وعمل

    بارك الله فيك يامها
    وسخر قلمك لخدمة الدين
    والمسلمين

  4. حياك الله أختي خولة

    ليسوا فقط رجال غزة عزيزتي , لقد أرونا نمطاً من الرجولة غاب عنا منذ زمن وظننا أنه فقد للأبد

    نسأل الله لهم نصراً مؤزرا,نصراً عزيزا

    لك تقديري

    وشكري

    والسلام



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر