صُحبة عمر
كتبهامها الجيلاني(أم معاذ) ، في 19 تشرين الثاني 2008 الساعة: 17:50 م
جُنّ العجوز
تبرّمت المرأة المستلقية في فراشها وهي تنظر لذلك الشبح المحنيّ على نافذة البيت المطلّة على الزقاق المظلم
ولكن تبرمها لم يأت بجديد ,ولم يغير في وقفة الرجل الذي بات هاجسه الأوحد ان يرى بيت أبا صالح وقد أضيء ولو بنورٍ بسيط
والحقيقة أن أبا إسماعيل- وهذا اسمه, لم يكن قد أصابه شيءٌ من خرَف ,بل الحقيقة أنه وكما يقولون:عقله بيوزن بلد!!ا
لكنّ أبا صالح..جار العمر ورفيق الصبا بل ورفيق الدرج في الصف الأول الابتدائي ,هذا الذي إن كانَ كان أبو إسماعيل,وإن غاب غاب أبو إسماعيل فكانهما توأمان لم تلدهما رحمٌ واحدة
يفصل بين بيتيهما زقاق ضيّق ولا يكاد أولهما يخرج من بيته إلا ويتبعه الآخر
لهما معا رصيد من الذكريات لا يكل الرجل عن سرده
وكما كان الأوائل فقد سكن الأبناء مع الآباء ثم تولوا هم المسيرة فكانت الدار بعد ذلك لأبي صالح كما كانت الدار لأبي إسماعيل
ولولا أن أبا صالح تزوّج ابنة خالته لكان لأبي إسماعيل أن يسعى ليزوّجه أخت أم إسماعيل وهو ما اجتهد عليه لفترة لولا أن رأى إصرارا أبا صالح وأمه على العروس.ا
وهاقد مرّت الأيام وكبر الرجلان و كبرت المرأتان كما كبر البنون والبنات وتزوجوا
وخابت مساعي أبا إسماعيل من جديد في دمج أواصر الصداقة وتتويجها بزواج أحد البنين أو البنات من العائلة الأخرى ,فلقد كان لأبي صالح دوماً دور في تدبير زيجة بعيدة عن محيط
العائلتين ,كما أن زوجه التي كانت تحمل في قلبها حقداً غير مبرر على أبي إسماعيل قد أفشلت أي جهد بذله الرجل في تحقيق مسعاه.ا
وهاهي قد رحلت عن الدنيا ومن فيها ,أعني أم صالح ليغدو الرجل وحيداً بعدها يزوره البنون والبنات على فترات
وإن كان أبو إسماعيل لم يقصّر في شيء في هذه الفترة من زيارات ومواساة بل واقتراح زواج جديد على أبي صالح الذي غضب منه وزوجته لم تكمل الأربعين بعد,وكأنه اتخذها حجة لينأى بنفسه عن رفيق العمر أبا إسماعيل وليبتعد عنه حتى في صفوف الصلاة.ا
دارت هذه الخواطر في نفس أبي إسماعيل وهو يرقب في مجلسه البيت المطفأ منذ أسبوع دون أن يضيء نوره
والحقيقة أنه حاول الاطمئنان بقرع الجرس تارة وبالاتصال الهاتفي تارة لكن ما من مجيب….لعل الرجل مات ولم يعلم به أحد
وبخته زوجه ظهراً على اهتمامه الزائد :مالك وللرجل؟؟ لعله زائرٌ عند إحدى بناته أو بنيه
هذه هي!! ,قفز أبو إسماعيل غير آبه بظهر المنحني واتصل فوراً بصالح الذي نفى بدوره أن يكون والده زائرا عنده ,ووعد بالاتصال ببقية إخوته والاطمئنان على الوالد
لكنهم لم يتصلوا
نام أبو إسماعيل وقد آلمه ظهره وفكره ,وإن قام في الليل مرات ومرات يرقب البيت المقابل ,لكن ما من فائدة..ا
في اليوم التالي..تجمّع الجيران على أولاد أبي صالح يطرقون الباب ثم يخلعونه وأبو إسماعيل في إثرهم يذرف الدموع كما النساء
لكن البيت خال من ساكنيه..والشرطة أتت على إثر بلاغ من أبناء الرجل وأبي إسماعيل وامتدت التحقيقات دون طائل ولا شبهة جنائية في الوضع, كما امتدت رحلة أخرى للبحث في المستشفيات وبيوت الأقارب دون جدوى
وبعد قرابة الأسبوع ,وبينا أبو إسماعيل مستلق- في اكتئاب أصابه- على سريره ,رافضا الزاد والشراب وهو يتخيل النهاية المأساوية التي قد يكون أبا صالحٍ قد شهدها, وإذ بصوت شاتم تعرفه أذن أبي إسماعيل ولا تخطؤه أبداً..!!ا
من كسر باب بيتي؟ من فعل هذا وهذا؟؟
قفز أبو إسماعيل ودماء الشباب تتدفق في شرايينه ليجد أهل الحي مجتمعين على أبي صالح الذي وقف بينهم يندد ويهدد وهو يشير تجاه أبي إسماعيل: ألا تجد غيري يا رجل لتلتصق به!الله أكبر!!ألا يحق لي أن أحيا من جديد
ألا بد لحشريتك أن تظل تقفز لي في كل أوقات حياتي؟؟!!ا
أبو إسماعيل وقف والغصة تملأ نفسه, والخزي يجلله وهو يرقب أبا صالح المتأنق تقف بجواره امرأة بجوارها حقائب جديدة
كنت أريد أن أمهد للأولاد ففضحتني ….,لا سامحك الله
ودون أن يتوقف أبو صالح -الذي تجمع حوله رجال الحي محاولين تهدئته-عن كيل التهم والشتم والتلويح
استدار أبو إسماعيل وغصة من نوع جديد تملأ قلبه وهو يتمتم: والله كنا صحبة…كنا صحبة عُمر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص | السمات:قصص
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 19th, 2008 at 19 نوفمبر 2008 9:02 م
سبحان الله
أصبح الوفاء ندرة نادرة هذه الأيام يا أم معاذ
أعاننا الله على بلاء الجفوة
قصة مؤثرة
بارك الله فيك
نوفمبر 19th, 2008 at 19 نوفمبر 2008 10:48 م
صحبة عمر
ليست حدوتة
وليست خبر فى صفحة الحوادث بالجريدة
ولكنها معان للوفاء
ومعان للجحود
ومعان للوحدة
زمعان اكبر لكبر السن والخوف من النهاية
أم معاذ
قصة مصورة رايتها وكانها فيلم سينمائى يمر امام عيناى
وما هذا الا لصدق احرفها وواقعيتها
جزيتى خيرا
نوفمبر 21st, 2008 at 21 نوفمبر 2008 12:34 ص
كلام جميل انه اشبه بالواقع الذي يكون في زماننا و خاصة في الارياف او في الاحياء القديمة
ولاكن ربما ان يكون لك اخ لم تلده امك ….. او كما قال رسول الله سبع يظلون بظل العرش يوم لاظل الاظله و منهم اثنان تحبا في الله اجتمعو عليه و تفرقوا عليه
اتمنا لكي التوفيق
والذي اعجبني كثيرا هو انكي ام معاذ …. لانه على اسمي
وان ارد تي ادخلي على صفحتى و اعطيني ملاحظاتك على مدوناتي
نوفمبر 21st, 2008 at 21 نوفمبر 2008 9:48 ص
أختي خولة
حيّاك الله
الوفاء أصبح كغيره من القيم قيمة توزن بالدينار والدرهم أو المصلحة
وإن كنت أعتب على أبي إسماعيل كثرة تدخله في شأن غيره ولربما كان ذلك هو السبب في تصرفات أبي صالح
والحمدلله أن كليهما شخصية خيالية لكي نستطيع الحديث عنهما بأريحيّة
سررت جدا بلطف مرورك
ولك كل السلام
نوفمبر 21st, 2008 at 21 نوفمبر 2008 9:50 ص
أخي جابر
دوما ما أسعد بمرورك وتعقيبك الذي يغذي الموضوع ويشعرني أن هناك من يقرأ
حيّاكم الله دوما وأنا أنتظر دوام هذا التواصل الراقي جدا
بوركتم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نوفمبر 21st, 2008 at 21 نوفمبر 2008 10:13 ص
أخي القلب الأسير
ليس الأمر مقرونا بالأرياف أو الأحياء القديمة فمن االمعروف أن الكبار في السن علاقاتهم الاجتماعية أقوى من علاقات الجيل الحالي الذي يطير كالنحلة من صديق لآخر وفقا للمصلحة الآنية
وإن كان ولابد أن نذكر أن بعض البيئات تتميز بتماسك اجتماعي أقوى أواصرا مما تشهده المدنية التي اعتمدت المادة وتخلت عن الروح
وكل الشكر لمروركم وإن كان الرابط لمدونتكم لا يعمل
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته