وللحريةِ الحمراءِ بابٌ.... بكلِ يدٍ مضرجةٍ يُدَّقُّ

إنسانية في زمن فقدت فيه الإنسانية ذاكرتها وتوجها النسيان

الخميس,آب 07, 2008


.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

تململت في فراشها ,نصفه الشاغر لا زال كما هو

لقد أصبح حاله هكذا منذ سنوات

قامت وهي تتحسس العتمة وتتمهل كي لا تنزلق إحدى عظامها إن تحركت حركة فجائيّة_لا قدّر الله

مستندة على طرف السرير اتجهت نحو خارج الغرفة لتستعد لصلاة الصبح

في العتمة, ومن بين الأضوية الخافتة في ممرات المنزل ترى ظلها يتحرك معها,ولا بأس بالظل الآن رفيقا يصاحبها

وحالما وقفت بين يدي الله وفي اتجاه بيته عدّلت الكرسي الذي تسجد -جالسةً- عليه؛ فعظامها الهشّة ومفاصلها المتضاغطة تمنعها وتحبسها عن الكثير من الحركات

بسم الله الرحمن الرحيم ,الله أكبر رفعت يديها

وانسابت الآيات الخفيضة من شفتيها لتتم صلاتها على مهل ولتتحرك حبات مسبحتها  بيدها في أذكار تتلوها جلسة طويلة تدعو  فيها لبنيها وبناتها وعوائلهم واحدا واحدا

تذكّرت ابنها الذي يعاني من مشاكل في عمله فخصصت له جزءا من دعوات النجاة والحفظ

وتحرك قلبها مذكّرا إياها بابنتها التي لا تنفك تتشاجر مع زوجها وتعود لها كل فترة فدعت الله أن يصلح حالها

وتذكّرت رفيقها الذي غاب عنها ليتركها نهبا لكل الضغوط وحدها فانسابت دموعها وهي تدعو له

شعرت بالنعاس يتسلل إليها فاتجهت نحو فراشها وه تلمح أطياف النهار تمحو الظلمة

ما أجمل النوم!! همست وهي تندس في فراشها و(القربة) الساخنة قد أصبحت دافئة لكنها تلتمس فيها الأنس والرفقة

واستسلمت لنشاطها المعتاد: النوم

لعل من يستمع الآن يظنّها امرأة عجوز كسول

على العكس!! هي امرأة نشيطة

تراها تتحرك في البيت وهي تمسح هذا الشيء وتلمّع ذاك,وهي موظفة متقاعدة,امرأة محاربة أصيلة ولو كانت لدى اليابانيين لأعطوها لقب الساموراي المحارب, بل لاستحقّته بجدارة

ولأترككم معها قليلا بعد أن تسللت إلى مذكراتها التي تسكن في ذاك الدفتر الأسود القابع بجوار نظارتها وعلبة الأدوية

لنفتح بعض الصفحات,هل نبدأ بهذه الصفحة أم بذاك التاريخ..نعم ..نعم ..اسمعوا:ا

 

أشعر بملل شديد, نظّفت البيت  اليوم بالكامل- رغم الألم الذي انتاب أسفل ظهري

لكنّ شعوري لم يتحسّن ولم  يرحل هذا الملل

أشعر باختناق شديد,لا أحد عندي,ولم أر أحدا من أولادي منذ أيام خلت

أعلم أنهم مشغولون, ولدى كلٍ منهم مشاكل تدك الجبال

هممت أكثر من مرة ان أتصل بإحدى بناتي وأدعوها لقضاء اليوم عندي

لكني أعلم أنها غضبى مني لصراخي على بنيها, ومعها حقّ في ذلك,فأنا وعلى الرغم من شكواي من هذه الوحدة القاتلة قد بدأت أعتادها وحين تأتي بناتي مع أطفالهنّ يصم أذني صراخ أطفالهن ويزعجني انقلاب البيت في ثواني

وللأسف غالبا ما أوبخ الأبناء والبنات وأقرّعهن وهن يتحدثن مع بعضهن البعض وينشغلن عن أبنائهن وفوضاهم ...وعنّي

نعم هنّ وهم يحادثوني بعض الوقت,لكنهم ينشغلون بعد ذاك في مواضيع جانبية خاصة

وأنا أظل أرقبهم يشكلون عوالم مختلفة ,لكنها عوالم بعيدة,غريبة عني

لقد أصدرت فرمانا يقضي بعدم تجمع أبنائي وأحفادي سوية,فلتأتي كل عائلة لوحدها

وهم رغم استيائهم يحاولون تطبيق الأمر

وأنا كلما أغلق الباب خلفهم أجلس لأذرف دمع وحدتي

وحدي

الحقيقة اني كنت امرأة عاملة,اعتدت لغة الأمر والنهي,واعتدت أن أكون مشغولة,مشغولة حتى عن أبنائي وبناتي

لكني الآن عدت وحدي,أرمق نفسي في تلك المرآة فأرى الشيب قد غطى شعري والصبغة المنحلّة عن الجذور تبدي جلد الرأس

التجاعيد غطتني فلا يد ولا رقبة ولا وجه ظل على حاله كما كنت في صباي

والصحة أمر نسبي وبيد الله

أنا مؤمنة واحمد الله على ذلك لكني أتساءل: ما الحكمة من فترة الشيخوخة؟ هل هي فترة استعداد للموت؟؟

هل ينتظر الجميع الآن موتي؟؟ هل أنا ثقل على المجتمع بعد أن كنت أحد أطرافه

حاولت الخروج,لكني لم أستطع فلم أكن يوما ممن تقضي يومها في القيل والقال

حاولت أن أزيد قراءاتي لكن عيناي وصحتي لم يعودا كما كانا

رفيقاتي وقرينت العمر منهن من انشغلت بأحفادها وذريتها

منهن من اعتزلت العالم والأمراض جعلتها رفيقة المشافي والأطباء

ومنهن من سبقتني إلى تلك الدار

دار الحق

الحقيقة أني أتمنى الموت أحيانا, على الأقل سألحق بزوجي وأنا مطمئنة أن خالقي سيرحمني فما كنت من أهل الفسق والمجون في شبابي ولقد أصابني من مصائب هذه الدنيا ما أصابني

 

شيء يخنقني, فتنساب عبراتي الآن 

أهمّ بتناول الطعام فلا أستسيغه

من سيأكله معي؟؟

حتى ابني العازب مشغول عني برفاقه حتى منتصف الليل وكأني موجودة دائما ليلقي علي تحية ماعدت أميز حروفها

أعود لفراشي لأندسّ فيه وأنا أفكر في قرة عيني من بنيّ

حين يحادثوني,يخبروني ببعض مجريات حياتهم

وأنا أفرح لنجاحاتهم وأفراحهم أيّما فرح

لكنهم في الغالب فقط يشكون, ويشكون

أراهم يشكون لي أحوالهم ,وانا أعينهم قدر استطاعتي

لكن لا أحد فيهم قد سألني يوما : ممّ تشكين يا أمي؟؟

لا انكر أنهم يرافقوني في زياراتي الدورية للأطباء

لكنهم يفعلون ذلك على مضض ,ألمح ذلك في وجوههم, وفي تأجيلهم المتكرر لذلك

بل كثيرا ما يطلبون مني تكليف غيرهم بذلك لانشغالهم

 

أتساءل: هل حالي خير من حال من هم الآن في دور العجزة؟؟

 

أنا لم أعتد طلب الإحسان من قرب الناس ,لذا لا تطلبوا مني المكوث عند بناتي أو أبنائي,لن أقبل أن ألمح نظرة رفض أو امتعاض من رفقائهم في الحياة

لن أحتمل أن أزيد مشاكلهم 

 

 

......

 

........

 

...........

 

 

اليوم:..........       التاريخ:................ا

 

____________________________________________________________________

 

دعونا نغلق الدفتر الآن فلقد قرع الباب والجرس في إزعاج متواصل, ثمّ اندفعت ثلة من الأطفال للداخل

 

تيتااااااااااااااااااااااا... صرخوا وهم يجذبون يدها الدافئة من تحت الأغطية

ابتسمت ويدها تتخاطفها قبلات عجلى,وعلى خدّيها والجبين 

اقتربت منها ابنتها (أم الأحفاد): السلام عليكم يا أمي, هل تغدّيت؟ جلبت لك معي بعض الأصناف التي تحبين

ما هذا أكنت تبكين؟؟

 

هي : وهي تكفكف ما كان من دمعها: أبدا: لكنّ عيني تتحسس مع بدء الربيع , هل جاء زوجك معك؟؟

لكم ولآبائنا كل ود وعظيم وفاء

 

واالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته  

**  القربة:كيس جلدي يملأ بالماء الساخن في أيام الشتاء الباردة ويستخدمه الكثيرون لتدفئة الفراش أو لوضعه على الألم في حالات المرض



في08,آب,2008  -  10:23 صباحاً, جابر حسن كتبها ...

اخاف تلك المرحلة العمرية ان كان فى العمر بقية

هو حال الدنيا

ولكن اخافها

واملى فيما افعله

( بروا ابائكم تبركم ابنائكم )

اختنا ام معاذ

مبدعة حقا

بوركتم

في09,آب,2008  -  12:23 صباحاً, nasra sameeh كتبها ...

سلمت يداكِ
تمكنتِ من التعبير بشفافية عن ما يمر بخاطر الكثيرين من سكان هذه المرحلة العمرية
...
اللهم أحسن ختامنا جميعاً
...
دمتِ طيبة

في09,آب,2008  -  12:11 مساءً, مها الجيلاني(أم معاذ) كتبها ...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخي الفاضل..جابر حسن

"نعم بروّا آباءكم تبركم أبناءكم"

نسأل الله أن نكون من البارّين ومن الذين يبرهم بنيهم

سرّني أنها أعجبتكم

دعواتكم أخي

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في09,آب,2008  -  12:18 مساءً, مها الجيلاني(أم معاذ) كتبها ...

غاليتي نصرة

السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

حيّاك الله وبيّاك

ما هذا المرور العطر النديّ


سررت جدا بهذه العودة الميمونة بإذن الله

دعواتك


ولك أطيب السلام

في14,آب,2008  -  02:09 مساءً, راما كتبها ...

انهم بلسم ينعش حياتنا بكل ما فيها من صعاب أحزان وأفراح في الحقيقة إننا لا نستمتع بكل هذه الأمور إلا بوجودهم
أطال الله أعمارهم ........ لكم نحن بحاجة لوجودهم

اسلوبك هادئ وأروع ما فيه إحساسنا بقوة ايمانك وقربك من الله

في16,آب,2008  -  09:13 صباحاً, مها الجيلاني(أم معاذ) كتبها ...

أختي راما


نعم هم بلسم حياتنا

سرّني مرورك الكريم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته