وللحريةِ الحمراءِ بابٌ.... بكلِ يدٍ مضرجةٍ يُدَّقُّ

إنسانية في زمن فقدت فيه الإنسانية ذاكرتها وتوجها النسيان

الأربعاء,تموز 16, 2008


اعذروني إن أزعجتكم ببضع محطات واقعيّة عند القراءة

******

يتحدث مزهوا عن نفسه وهو يبحث في جيب جاكيتته الفاخرة عن ذلك السيجار الذي يتعمد ذكر نوعه وسعره الباهظ 

يبدأ بالحديث عن ماذا أعطى, وعن غباء الموظفين تحت إمرته , وهو الشاب الذي فتحت له الدنيا أبوابه على مصراعيها

تسعده جدا تلك النظرات المقدّسة له والتي أحاطته وهو ي تلو على مسامعهم أنباء مساعداته لذوي القربى والمساكين

ثم يشكو تلك التخمة التي تعيقه عن الحركة- وهو المشغول دائما

ثم يعرّض لأولئك الحاسدين الذين يتسببون في خساراته لمئات الألوف من الدولارات كل مرة ويتأفف منهم وهو لا يخجل او يخشى اتهام أحد بعينه فهو لديه من الأموال ما يمنحه الحق بذلك

ويعرض لبعض نماذج مساعدات الأقربين التي هو دائم القيام بها,لكنه يحرص على أن يعرّض بهم وبغباءاتهم المطلقة فيما تهز الرؤوس في تأمين على كل ما تلفظ به به أو أومأ إليه وترتسم تلك الابتسامات الغبية على بعض الوجوه 

ما من معارض ولا مذكِّر

إنما كلهم له ناصحون ,محبون , ومشفقون

ويقوم وهو يعرض دعوته التي لن يكون لها مثيل والتي يحلم مجالسوه باقتناصها وهم يحلمون بمشاركته تلك الرفاهية التي يحيط نفسه بها ولو بعض حين

ترقص بسمته وهو يلمح بريق الطمع يتلألأ في العيون

وترقص أمانيه بأن يذكر كما لم يذكر أحد

ويغادر وهو يحرك كتفيه في انتشاء لسان حاله يقولإنما أوتيته على علم عندي

ولسان حالهم يقول : ياليت لنا مثل ما أوتي...إنه لذو حظٍ عظيم

*********

ترددت في إحضار والدتها للجلسة معها

 

كانت دائمة التباهي أمام الجميع فكيف تعرض نفسها للسخرية خاصة مع شخصية والدتها البسيطة وتواضع مظهرها-التي حاولت هي ذاتها مرارا تغييرها ولم تفلح-

لطالما طالبتها الكثيرات بالتعرف على أمها

لكنها كانت تخجل من ان تفضحها تلك اللكنة أو البساطة , أو حتى بدائية استخدام أدوات المائدة

وكان الأمر مسليا لبعض من تقصوا عن أصل ذات الحسب والنسب ليكتشفوا تواضع هذا الأصل الذي تحرص هي دائما على تذهيبه

في جلسة ما وبعد جهد جهيد منها في توصية الوالدة حتى -لا تفضحها- كان من الوالدة الغافلة أن وقعت في بعض المطبات المميتة التي جعلتها تنسحب ووجهها يحاكي وجوه الأموات لتقرع سمع والدتها في السيارة بكل سيئاتها دفعةواحدة وكيف أحرجتها امام المجموع

الأم المسكينة لم تدر كيف تدافع عن طبيعتها التي شبت وشابت عليها

كان جوابها بضع دمعات لم تشفع لها لدى ابنتها ...ذات الحسب والنسب

**************

مرارة ما مرّت به ,فقدان زوجها وهي تحمل طفلتهما الرضيعة بين يديها

عمرها الذي مر من بين يديها لتقف الآن أمام المرآة فترى تلك الشابة الجميلة عشرينية العمر قد استحالت عجوزا يغاها الشيب وبدلت التجاعيد ملامحها

  لكن ذلك العمر وهي تبذل في التفوق حتى على ذاتها جلب لها الاحترام والتقدير لكنها لم تحفل بأي من ذلك

تنشئتها ليتيمين صغيرين ودراستها وحتى تسلمها زمام المسؤولية لدار أيتام

كل ذلك حولها لإنسانة صعبة المراس

لم تفلح يوما في التوفيق بين ذلك الحزن الذي يغذي تحركاتها وبين حاجات أولئك الذين تدير شؤونهم

مارست كافة أنواع التسلط على من تحت يدها

كانت تتفنن في استخدام أساليب لي الأعناق والتهديد بقطع الأرزاق

وكان طغيانها لا يجد من يوقفه فاستحالت وحشا بشريا

كل أولئك اللائي حظين بما لم تحظ به من استقرار كن محض سخريتها اللذعة وانتقاصها

ومن كانت تقع تحت يدها كانت تجهد نفسها في إجهادها

كيف تحظى تلك بزوج وبيت وأطفال؟؟

وكيف يهنأ غيرها بعيش فقدته هي؟؟

أما الأيتام فقد حولتهم سجناء في زنزانات شبه انفرادية

لم تقبل فكرة وجود متخصصين نفسيين

ولم تتقبل فكرة الحنو عليهم

فعليهم أن يعتادوا صعوبة الحياة حتى وهم أطفال فالحياة لن ترحمهم حين تعيدهم لمساراتها الطبيعية

ولكنها لم تكن معتدلة في اعتقادها هذا والذي قد يوافقها عليه البعض

بل لقد أصابتهم بعض سمومها فكرهوا ذلك المجتمع الخارجي

ذلك الذي أذاقهم الذل ومر الاستجداء 

فأي فقر روحيّ أصيبت به؟؟

وأي أذى ألحقته بنفسها قبل غيرها؟؟

 

**************

تؤلمه أصابعه ويجهده عقله

كثرة الأرقام تكاد تفقده صوابه

من أين لهم لهم بكل تلك الأموال؟؟ وهم لا يتعبون مثله, ليس لديهم مؤهلاته, بل إنهم يستخدمونه لحصر أموالهم التي لا يدرون كيف يحركونها

والعجيب أن اموالهم المتنامية كانت ارقاما بين يديه تؤذي أصابعه وفكره بتعدادها وحصرها

وسادته كانت تشهده ساهرا طيلة الليل أرقا بمصروف الغد وتكاليف دراسة الأبناء والتناقض الذي يعيشه

حتى أوصله شيطان فكره لخطة جهنمية لن يكشفها إلا شيطان مثله

فاستقرّت أموره وارتاحت جيبه, وبدأت علامات الاستفهام تدور حوله

فتارة عمه الفلاني- الذي لم يسمع به احد- قد مات وترك له ميراثا اشترى به تلك الشقة

وخالته الفلانية شغلت لديه ما مكنه من استبدال سيارته العتيقة

والأموال بين يديه تنقص ولاتزيد رغم ان حساباته متقنة لا يشكك فيها اثنان

الحقيقة انه كان يؤمن أن أرباب عمله لا يستحقون مليما احمرا مما يجنونه!! وأنهم مولودون وفي أفواههم ملاعق من ذهب

أما بنوه وأسرته فقد بدأ النخر يتسلل إليهم من حيث لا يدري

وسمعته أحاطت بها الشبهات

وهو ذاته بات يشعر بالفقر أكثر مما سبق

كانت الحاجة تؤرق ليله ونهاره

فأي مال يسدّ حاجته؟؟ وأي فقر كان يعتريه؟؟!!ا

************

تلك السكين في يده

لازال الدم يقطر منها

جعل يمسحها بقميص ابنه الغافي أمامه على صدره وأنين أنفاسه الأخيرة يتصاعد بل يتناقص تحت سمعه وبصره

ليلته الحافلة لم تكن كغيرها وتشوّش أفكاره دعاه للتفكير مليا في حياته المشوّشة كلها

هو الانعزالي الحانق ,الفاشل -كما يفه أبوه

بدايته المنحرفة التي قضاها بين الراقصات في الحانات أثمرت عن ارتباطه بإحداهن

والده الذي لم يفلح بتربيته عجز أمامه وهو يراه يرتكب من الموبقات ما قرّعه به المعارف والجيران

فنكّس رأسه وهو يتبرأ من ذلك الذي ينسب إليه

سوء سيرته نبذه من الأقربين

والأبعدين

ولم تفلح تلك المتثنية في علب الليل من جلب الراحة لنفسه بل لقد ظهرت له عيوبه كما لو كان في غرفة ملآة بالمرايا

فارقها إلى غير رجعة

لكن المجتمع لم يتقبل سيء السيرة والسلوك مرة أخرى سيما ولم تصلح أحواله بع ذاك

اقترن بثانية ثم فارقها وله منها ولد

ثم كانت الثالثة التي لم يكن غير الفقر من زوجها له,لكن حتى الفقر لم يستطع ـن يحملها على القبول بكل هذه النبذ وبهذه الشخصية المضطربة فتركته في ليلة شهدت جريمته المدويّة

عاقب المجتمع فقتله ممثلا بجارته وذراريها فكيف جرأت على تعييره بذاته التي ينكرها

ثم قرر أن يخلص نفسه من تلك التركة الثقيلة التي كان ليخلفها للمجتمع فيما لو أعدمته يد العدالة فانطلق إلى بنيه يذبحهم نياما وهم يستجدونه بمحبته إياهم أن لا يفعل

ثم جلس هنا يراقب نزفهم وتقاطر دمائه على السكين

ويفكر: هل سيزورني أبي في السجن بعد ما فعلت؟؟

وهل أحسنت إذ لم أترك بنيّ يواجهون الحياة التي واجهت؟؟

(حصلت قبل فترة قصيرة..ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)